ابن أبي شريف المقدسي
205
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
( وأما ) الأول وهو ( القرآن فهو : المعجزة العقلية ) « 1 » أي : التي يهدي إلى إعجازها العقل لمن كان عارفا بطريق البلاغة أو كانت البلاغة له سليقة ، ومع كون المعجزة عنه معقولا فهو منقول أيضا عمن قصد المعارضة ، ممن سولت له نفسه ذلك ، فأقر بالعجز مع كونه من فرسان البلاغة ، ومنهم من أتى بما فضح به نفسه عند أبناء جنسه ، كما لا يخفى على من ألمّ بالتواريخ « 2 » . ( الباقية ) نعت ثان ل « المعجزة » فإن كون القرآن معجزا وصف له باق ( على طول الزمان ، الذي ) خبر ثان عن ضمير القرآن ، فإن من أوصافه أنه الذي ( أعيا كل بليغ بجزالته وغرابة أسلوبه وبلاغته ) و « الجزالة » يقابلها « الركة » فليس في نظمه لفظ ركيك . و « غرابة أسلوبه » هو أنه يخالف المعهود من أساليب كلام العرب ، إذ لم يعهد في كلامهم كون المقاطع على مثل يَعْمَلُونَ ( المائدة : 68 ) و يَفْعَلُونَ ( المائدة : 79 ) ، والمطالع على مثل : يا أَيُّهَا النَّاسُ ( البقرة : 21 ، 168 وغيرها ) ، يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) ( سورة المزمل : 1 ) ، الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) ( سورة الحاقة : 1 - 2 ) ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) ( سورة النبأ : 1 ) . وأما « بلاغته » فنظمه بالغ فيها الحد الخارج عن طوق البشر ، وإن أمكن بالنسبة إلى قدرة الباري سبحانه ما هو فوق ذلك كما صرح به في « شرح المقاصد » ؛ لأن مقدوراته تعالى لا تتناهى . واكتفى المصنف بوصفه بالبلاغة عن وصفه بالفصاحة معها لاندراج مفهومها في مفهوم البلاغة اصطلاحا . ( لا بالأولين ) أي : وليس إعجازه بالجزالة وغرابة الأسلوب ( فقط ، ) دون البلاغة ( كقول القاضي ) أبي بكر بن الطيب الباقلاني ، ( ولا ) إعجازه ( بالصرف ) أي : صرف همم المتحدّين ( عن التوجه إلى معارضته وسلبهم القدرة ) على مثله ( عند قصد ذلك ، خلافا للمرتضى ) من الشيعة ( وغيره ) كالنّظام وكثير من المعتزلة ،
--> ( 1 ) عبر بالمعجزة العقلية ؛ لأنها تواجه العقل بكل ما فيه من قوى الإدراك والاستبصار ، وتنقسم إلى المعجز المناسب الذي يبطل القول بالصرفة ، ويوجه إلى كل قوم منسجم مع حالهم ، والمعجز العام الذي يتحدى به جميع الخلائق وفي كل الدهور . ( 2 ) كمسيلمة الكذاب الذي حاول تقليد القرآن ، فأتى بتفاهات ، قال : « الفيل والفيل وما أدراك ما الفيل ، له ذنب طويل وخرطوم وثيل » إلى آخر ذلك من الترهات ، انظر : التمهيد ، للباقلاني ، ص 128 ، ويورد الباقلاني نصا آخر عن الضفدعة ، وانظر : الاقتصاد ، ص 119 .